سيد محمد طنطاوي

369

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والعامل في * ( إِذا ) * محذوف ، والتقدير : أنبعث أو أنحشر إذا كنا عظاما ورفاتا ، وقد دل على هذا المحذوف قوله - تعالى - : * ( أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ) * . وقوله - سبحانه - : * ( قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ) * أمر من اللَّه - تعالى - لرسوله صلى اللَّه عليه وسلم بالرد عليهم فيما استبعدوه وأنكروه من إعادتهم إلى الحياة بعد موتهم . أي : قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل الرد على استبعادهم ، والتحقير من شأنهم ، والتعجيز لهم : « كونوا » - إن استطعتم - * ( حِجارَةً ) * كالتي تعبدونها من دون اللَّه ، * ( أَوْ حَدِيداً ) * كالذي تستعملونه في شؤون حياتكم ، * ( أَوْ ) * كونوا * ( خَلْقاً ) * أي : مخلوقا سوى الحجارة والحديد * ( مِمَّا يَكْبُرُ ) * أي : يعظم ويستبعد - * ( فِي صُدُورِكُمْ ) * المظلمة - قبوله للحياة ، قل لهم : كونوا أي شيء من ذلك أو غيره إن استطعتم ، فإن اللَّه - تعالى - لا يعجزه أن يعيدكم إلى الحياة مرة أخرى ، لكي يحاسبكم على أعمالكم ، ويجازيكم عليها بما تستحقون من عقاب . فالمقصود من الجملة الكريمة ، بيان أن قدرة اللَّه - تعالى - لا يعجزها شيء . . قال الجمل : أجابهم اللَّه - تعالى - بما معناه : تحولوا بعد الموت إلى أي صفة تزعمون أنها أشد منافاة للحياة ، وأبعد عن قبولها ، كصفة الحجرية والحديدية ونحوهما . فليس المراد الأمر ، بل المراد أنكم لو كنتم كذلك لما أعجزتم اللَّه - تعالى - عن الإعادة « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا ) * أي : فسيقولون لك - أيها الرسول الكريم - من يعيدنا إلى الحياة مرة أخرى بعد أن نكون حجارة أو حديدا أو غيرهما ؟ . وقوله - سبحانه - : * ( قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) * رد على جهالاتهم وإنكارهم للبعث والحساب . أي : قل لهم : اللَّه - تعالى - الذي فطركم وخلقكم ، أول مرة ، على غير مثال سابق ، قادر على أن يعيدكم إلى الحياة مرة أخرى . كما قال - تعالى - : وهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه وهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه ، ولَه الْمَثَلُ الأَعْلى فِي السَّماواتِ والأَرْضِ وهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ « 2 » . ثم بين - سبحانه - ما يكون منهم من استهزاء وسوء أدب عندما يسمعون من الرسول صلى اللَّه عليه وسلم هذه الإجابات السديدة ، فقال : * ( فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ ويَقُولُونَ مَتى هُوَ . . . ) *

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 629 . ( 2 ) سورة الروم الآية 27 .